سيد محمد طنطاوي
106
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء الكافرين ، والتحقير من أمرهم فقال : * ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) * . وجمع - سبحانه - هنا المشارق والمغارب ، باعتبار أن لها في كل يوم من أيام السنة مشرقا معينا تشرق منه ، ومغربا معينا تغرب فيه . وقال في سورة الرحمن رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي : مشرق ومغرب الشتاء والصيف . وقال في سورة المزمل : رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ والمراد بهما هنا : جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس ، وعلى كل مغرب من مغاربها . وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة بصيغة المثنى ، وتارة بصيغة الجمع . وجملة * ( إِنَّا لَقادِرُونَ ) * : جواب القسم . أي : أقسم باللَّه - تعالى - الذي هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها . . إنا لقادرون قدرة تامة * ( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ ) * أي : على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما . . أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذي هم عليه . . فإن قدرتنا لا يعجزها شيء . وقوله * ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) * معطوف على جواب القسم ومؤكد له . أي : إنا لقادرون على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير منهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّه واللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ « 1 » . وقوله - سبحانه - : . . وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 2 » ، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شيء . والفاء في قوله : * ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا . . ) * للتفريع على ما تقدم . والخوض يطلق على السير في الماء ، والمراد به هنا : الكلام الكثير الذي لا نفع فيه . واللعب : اشتغال الإنسان بشيء لا فائدة من ورائه . والمراد به هنا : استهزاؤهم بالحق الذي جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) سورة فاطر الآيات 15 - 17 . ( 2 ) سورة محمد الآية 38 .